أبي الفرج الأصفهاني
315
الأغاني
الحول بعد الحول يتبعه [ 1 ] ما الدهر إلا الحول والشهر قال حمّاد بن إسحاق في خبره : حدّثني ابن [ 2 ] أبي الحويرث الثّقفيّ عن ابن عمّ لعمارة ابن حمزة قال حدّثنا سليمان الخشّاب [ 3 ] عن داود المكَّيّ [ 4 ] قال : كنّا في حلقة ابن جريج وهو يحدّثنا وعنده جماعة فيهم عبد اللَّه بن المبارك وعدّة من العراقيّين ، إذ مرّ به ابن تيزن [ 5 ] المغنّي وقد ائتزر بمئزر على صدره ، وهي إزرة الشّطَّار [ 6 ] عندنا ، فدعاه ابن جريج / فقال له : أحبّ أن تسمعني . قال : إنّي [ 7 ] مستعجل ، فألحّ عليه ؛ فقال : امرأته طالق إن غنّاك أكثر من ثلاثة أصوات . فقال له : ويحك ! ما أعجلك إلى اليمين ! غنّني الصوت الذي غنّاه ابن سريج في اليوم الثاني من أيام منى على جمرة العقبة [ 8 ] فقطع طريق الذاهب والجائي حتى تكسّرت المحامل . فغنّاه : عوجي عليّ فسلَّمي جبر فقال له ابن جريج : أحسنت واللَّه ! ( ثلاث مرات ) ، ويحك ! أعده . قال : من الثلاثة فإني قد حلفت . قال : أعده ، فأعاده . فقال : أحسنت ! فأعده من الثلاثة ، فأعاده وقام ومضى ، وقال : لولا مكان هؤلاء الثّقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك . فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال : لعلَّكم أنكرتم ما فعلت ! فقالوا : إنا لننكره عندنا بالعراق ونكرهه . قال : فما تقولون في الرّجر ؟ ( يعني الحداء ) . قالوا : لا بأس به عندنا : قال : فما الفرق بينه وبين الغناء ؟ ! اضطغان محمد بن هشام على العرجي من هذه الأشعار وحبسه حتى مات في الحبس قال إسحاق في خبره : بلغني أنّ محمد بن هشام كان يقول لأمّه جيداء [ بنت عفيف ] [ 9 ] : أنت غضضت منّي بأنك أمّي ، وأهلكتني وقتلتني . فتقول له : ويحك ! وكيف ذاك ؟ قال : لو كانت أمّي من قريش ما ولي الخلافة غيري . قالوا : فلم يزل محمد بن هشام مضطغنا على العرجيّ من [ 10 ] هذه الأشعار التي يقولها فيه ومتطلَّبا [ 11 ] سبيلا عليه حتى وجده فيه ، فأخذه وقيّده وضربه وأقامه للناس ، ثم حبسه وأقسم : لا يخرج من الحبس ما دام لي [ 12 ]
--> [ 1 ] في ت : « يجمعنا » . [ 2 ] في ت : « ابن الحويرث » بدون أبي . [ 3 ] في ت ، ح : « سليم الخشاب » . [ 4 ] في ت ، س : « الثقفي » . [ 5 ] انظر الحاشية رقم 2 ص 283 من هذا الجزء . [ 6 ] في « القاموس » و « شرحه » : الشاطر : من أعيا أهله خبثا . قال أبو إسحاق : فلان شاطر معناه أنه أخذ في نحو غير الاستواء ؛ ولذلك قيل له شاطر لأنه تباعد عن الاستواء . والمراد من الشطار هنا طائفة من أهل الدعارة كانوا يمتازون بملابس خاصة وزي خاص . ففي « أخبار أبي نواس » ج 1 ص 235 طبع مصر ما نصه : « زي الشطار طرّة مصففة وكان واسعان وذيل مجرور وفعل مطبق » . وتختلف أسماؤهم باختلاف البلاد ؛ ففي « رحلة ابن بطوطة » ج 1 ص 235 طبع مصر : « الشطار بمعنى الفتاك من اصطلاح العراقيين ، ويعرفون في خراسان بسر ابداران وفي المغرب بالصقورة » . وذكر تفشيهم في أيامه واجتماعهم على قطع الطرق . وفي « نفح الطيب » ج 2 ص 766 طبع بولاق : « ولشطار الأندلس من النوادر والتنكيت والتركيبات وأنواع المضحكات ما تملأ الدواوين كثرته » أه . [ 7 ] كذا في ت ، ح . وفي سائر النسخ : « أنا » . [ 8 ] في ت : « فغنى فقطع . . . » . [ 9 ] زيادة في ت . [ 10 ] في ت : « مضطغنا على العرجيّ هذه الأشعار » بدون من . [ 11 ] كذا في ت . وفي سائر النسخ : « متطلبا » بغير واو . [ 12 ] كذا في ت ، ح . وفي سائر النسخ : « ما دام له » .